السيد الطباطبائي

353

تفسير الميزان

فقد بان أن الجملة مستأنفة ، والمراد بتبديل القول تغيير القضاء المحتوم ، و ( لدي ) متعلق بالتبديل ، هذا ما يعطيه السياق ، وقد ذكر بعضهم في هذه الجملة وإعراب مفرداتها ومعنى تبديل القول وجوها واحتمالات كثيرة بعيدة عن الفهم لا تزيد في الكلام إلا تعقيدا فأغمضنا عن إيرادها . وقوله : ( وما أنا بظلام للعبيد ) متمم لمعنى الجملة السابقة أي لا يبدل قولي فأنتم معذبون لا محالة ولست أظلم عبيدي في عذابهم على طبق ما قدمت إليهم بالوعيد لأنهم مستحقون لذلك بعد إتمام الحجة . ومن وجه آخر : لا ظلم في مجازاتهم بالعذاب فإنهم إنما يجزون بأعمالهم التي قدموها في أعمالهم ردت إليهم كما هو ظاهر قوله تعالى : ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) التحريم : 7 . وما في قوله : ( وما أنا بظلام ) من نفي الظلم الكثير لا يستوجب جواز الظلم اليسير فإنه تعالى لو ظلم في شئ من الجزاء كان ظلما كثيرا لكثرة أمثاله فإن الخطاب لكل إنسان مشرك ظالم مع قرينه ، وهم كثيرون فهو سبحانه لو ظلم في شئ من الجزاء لكان ظلاما . قوله تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) خطاب منه تعالى لجهنم وجواب منها ، وقد اختلف في حقيقة هذا التكليم والتكلم فقيل : الخطاب والجواب بلسان الحال ويرده أنه لو كان بلسان الحال لم يختص به تعالى بل كان لكل من يشاهدها على تلك الحال أن يسألها عن امتلائها فتجيبه بقولها : هل من مزيد ؟ فليس لتخصيص الخطاب به تعالى نكتة ظاهرة . وقيل : حقيقة الخطاب لخزنة جهنم والجواب منهم وإن كانا نسبا إلى جهنم وفيه أنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل . وقيل : الخطاب والجواب على ظاهره ، ولا دليل يدل على عدم الجواز ، وقد أخبر الله سبحانه عن تكليم الأيدي والأرجل والجلود وغيرها ، وهو الوجه وقد تقدم في تفسير سورة فصلت أن العلم والشعور سار في جميع الموجودات .